ابن الحرام
مايو 24, 2009
ابن الحرام … تعبير فظيع اللفظ، غليظ السمع، مشوه.
منذ مدّة والصحف المصرية لا تتعب من تكرار هذه الجملة، هذا الصياغ اللغوي البشع. لست بصدد الدخول في مضمون القضايا التي تتكلم عنها الصحافة من تبني بعض الأشخاص لأطفال مصريين والذهاب بهم إلى الخارج. فهذه مشكلة قضائية، يمكن أن نتكلم عنها من منحى فكري وأخلاقي في ما بعد.
لكن اليوم، أود أن أعالج هذه الصيغة القاصية، خصوصاً أنها أصبحت رائجة في قولنا ولفظنا !
من هو “ابن الحرام” في منظور البعض ؟ هو الطفل الذي لا يُعرف له والد، أو لا ينتميّ إلى والد ووالدة مسجلّين، معروفين عند الناس. فيُطلق عليه هذه التسمية، كأداة تعريف أو كسمة خاصّة تلاحقه العمر كلّه. فيا ويحه، ماذا يقول ؟ كيف ييعبّر عن ذاته ؟ وهل من مخرج ؟
طبعاً، وكبشر لنا من الحسّ الإنساني الكثير، نرانا لا نتوانى عن المساعدة هنا وهناك، عن الإنشاد في حبّ الخير لجميع من حولنا، وحسناً نفعل. لكن هل لنا أن نقبل بتسميّة أُخرى لطفل لم تساعده الحياة أن يتعرّف على والديه الجسديين ؟ هل لنا أن نتكاتف معه اليوم وغداً حتى نشعره أنه كالغير، لن يأتي العالم إلا كما أتى غيره من ذاك التواصل الإنساني، البيولوجي بين رجل وامرأة ككل طفل في العالم.
إذاً، هو ابن الإنسانيّة، ابن البشريّة، ابن البيولوجيا، ابن الأرض، ابن ككل الأبناء. ومع هذا، ننسى أو نتناسى كل هذه المسميات، ولا نجد إلا تلك الصيغة الجارحة، ذالك التعبير المؤلم، ومع ذلك نرى الصحف تدافع عن حقوقه غير متوانية في تسميته بـ “ابن الحرام”. فبئس الدفاع، وبئس الكتابة عنه. حتّاما يبقى بعض الكتاب المرتزقة يبخون الكلمات كرصاص في جسد المقالات ؟ يبعثرون الجمل كذرات الفسفور القاتل في عروق الصفحات ؟ وإلى متى سنظل نقرأ لهم دون أن يكون لنا موقف فاعل اتجاه كل هذا ؟
يا سادة، هذا الطفل الذي لم يعرف أبويه، هو مساوٍ لكل واحد منّأ : هو ابن البشر، ابن الإنسان، ابن الطبيعة، ابن المجمتع، ابن البيئة، ابن الخالق، ابن الكائن، ابن الرجل والمرأة، ابن الحياة … كل هذه المسميات، وزد عليها أيضاً وأيضاً ابني، ابنك، وأخي وأخوك بالإنسانية، في الحياة والموت، ومع ذلك لا نرى إلا ما تحتّمه علينا كلمة شريعة وشرع ومشروع. فأصبحنا كلّنا قضاة ومشرّعين وأصحاب قانون. يا سلام !
في فيلم “حين ميسرة”، يصوّر لنا المخرج “خالد يوسف” مأساة من سارت بهم الحياة إلى أن لا يتعرّفوا على أبويهم في الجسد. نرى من خلال المشاهد المتتالية الصراع الفظ الذي ينتهي بكارثة على المجتمع والبشرية. فعدم تقبل الآخر ونعته بصفات غير لائقة لبشريتينا وحسّنا الإنساني، يقودونا في نهاية المطاف إلى الهاوية سويّة، جميعاً. فلس هنالك “هم ” و “نحن”، بل ما هو واقعي “نحن مع بعض البعض”.
فلنسمع صراخ هؤلاء الأطفال، فإن لم يكن لنا القدرة أن نساعدهم ماديّاً، أو معنويّأً (وكلّ له مشاكله وصعوباته اليوميّة)، فلنساعدهم لغويّأ، وهذا لا يتطلب إلاّ أن نتنبّه حين نفتخ أفواهنا. وهي عملية ليست بالصعبة. فبدل من قول ذلك التعبير، فلنقل: إنه “ابن الإنسان، ابن البشرية”، أخونا في الكفاح في هذه الحياة، أو أيّ تعبير يليق بصفتنا الإنسانية.
Entry Filed under: Uncategorized. وسوم: أخلاقيات.
Trackback this post | Subscribe to the comments via RSS Feed